لعنة الآلهة – ميديا… حين يخنق النص نبض التراجيديا - شربل الغاوي

لعنة الآلهة – ميديا… حين يخنق النص نبض التراجيديا - شربل الغاوي

لا تُقاس التراجيديا بعدد الشخصيات التي تسقط على الخشبة، بل بقدرتها على زلزلة وجدان المتفرج، وعلى تحويل المأساة إلى سؤال إنساني يبقى معلقًا بعد إسدال الستار. إنها فن الاقتصاد في التعبير، حيث يصبح الصمت أبلغ من الخطابة، والنظرة أعمق من الصفحات. من هنا، يقترب محمد وهبي، كتابةً وإخراجًا، من شخصية ميديا، في محاولة لإعادة تقديمها برؤية معاصرة، إلا أن العرض، في كثير من مفاصله، بدا أكثر انشغالًا بإبراز الإمكانات الأدائية للممثلين من انشغاله بتصاعد الفعل الدرامي، فغلبت الكلمة على الحدث، والشرح على الفعل، حتى بدت الحكاية أسيرة النص، بدل أن يكون النص في خدمة الحكاية.

يعتمد البناء المسرحي بصورة واضحة على الحوار والمونولوج، وهو خيار يمنح الشخصيات مساحة واسعة للكشف عن صراعاتها الداخلية، لكنه تحوّل تدريجيًا إلى عبء على الإيقاع. فبدل أن تتراكم الأحداث وتتولد من بعضها بعضًا، أخذت الشخصيات تكرر أفكارها بصيغ مختلفة، ما أدى إلى إبطاء حركة العرض واستنزاف توتره الدرامي. وفي عدد من المقاطع، انشغل النص بجماليات اللغة أكثر من انشغاله بتوليد الفعل المسرحي، فمال الإيقاع إلى الشرح بدل التصاعد الدرامي. لقد وقع النص في فخ الإطالة، وأفرط في تفسير ما كان يمكن للمسرح أن يقوله بالفعل أو بالصورة، حتى بدا الحشو خصمًا للتراجيديا لا جزءًا منها، لأن المأساة الحقيقية لا تحتاج إلى شرح طويل كي تبلغ المتلقي.

ومن أبرز الأمثلة على هيمنة السرد على الفعل المسرحي، حكاية الشال الذي تهديه ميديا إلى الأميرة. فهذه اللحظة تُعد من أكثر محطات العمل كثافة وصدمة، غير أنها بقيت حاضرة عبر الرواية أكثر من حضورها بالفعل على الخشبة، ففقدت جزءًا من أثرها البصري والوجداني. والمسرح، بطبيعته، فن يُرى قبل أن يُروى، لذلك كان تجسيد هذه اللحظة دراميًا سيمنحها قوة أكبر من الاكتفاء بسردها.

في المقابل، نجح العرض في ترسيخ مناخه الرمزي والأسطوري، فبنى عالمًا مشبعًا بالإيحاءات، جعل الشخصيات تبدو أسيرة قدر لا تستطيع الإفلات منه، ورسّخ الإحساس بأن اللعنة ليست حدثًا عابرًا، بل قوة تدفع الجميع نحو المصير المحتوم.

ويتصاعد الصراع مع عودة يعقوب مطالبًا بابنه. في هذه المواجهة لا تنظر ميديا إليه بوصفه أبًا جاء ليستعيد ابنه، بل بوصفه رجلًا اختار حياته الجديدة على أسرته، فترى أن حبه لعروسه الجديدة فاق حبه لابنه. ومن هذا الجرح تتولد المأساة، إذ تتحول الأمومة من ملاذ للحياة إلى أداة للانتقام، ويصبح الابن في قلب صراع لم يختره. إنها لحظة ينهزم فيها الإنسان أمام غضبه، فيصبح الانتقام أقوى من الرحمة، وتغدو الخسارة قدرًا لا ينجو منه أحد.

وتتسع دائرة اللعنة مع سقوط الأميرة، لتتحول المأساة إلى انهيار شامل يطال كل من اقترب من نار ميديا، فيغدو الخراب النتيجة الوحيدة لصراع لم يعرف التسامح طريقًا إليه.

على مستوى الأداء، فرضت مايا سبعلي حضورها بثقة واتزان، فتميّز أداؤها بالتماسك والصدق، وابتعد عن الانفعال المفتعل، مع قدرة واضحة على الإمساك بالتحولات النفسية للشخصية، ما منح أداءها مصداقية وحضورًا مستمرين على الخشبة. كما قدمت رانيا مروّة أداءً لافتًا اتسم بالهدوء والسيطرة على أدواتها، واستطاعت أن تمنح الشخصية حضورًا متوازنًا، من دون الوقوع في المبالغة، فكانت من العناصر التي حافظت على تماسك المشاهد التي حضرت فيها.

أما محمد فوعاني، في شخصية يعقوب، فقدم واحدًا من أبرز أداءات العرض، ولا سيما في مشاهده المشتركة مع ميديا، حيث امتلك حضورًا مسرحيًا واثقًا، وأدار مشاهده بإحساس واضح وسيطرة على أدواته، ما جعله من أكثر الممثلين تأثيرًا في العمل. كما أسهمت أماني حمدان وخديجة صالح وندى عريضي في استكمال النسيج الدرامي، كلٌّ وفق المساحة التي منحها النص لشخصيتها.

تقنيًا، جاء الديكور منسجمًا مع طبيعة العالم الذي تتحرك فيه الشخصيات، من دون مبالغة أو ازدحام، بينما أدت الإضاءة دورًا مهمًا في تكوين المزاج النفسي للمشاهد، وأسهمت في الانتقال بين لحظات الهدوء والانفجار، لتكون من العناصر التي دعمت العرض بصريًا.

غير أن الإشكالية الأساسية بقيت كامنة في العلاقة بين النص والفعل المسرحي. فالخشبة ليست منبرًا للشرح، بل مساحة يتحول فيها المكتوب إلى صورة حية. وعندما يطول الكلام، ويتراجع الفعل، يخسر المسرح إحدى أهم ميزاته، لأن المتفرج لا يأتي ليسمع الحكاية فحسب، بل ليراها تتجسد أمامه.

لعنة الآلهة – ميديا تمتلك مقومات مسرحية عديدة؛ ممثلين يمتلكون أدواتهم، ورؤية بصرية متماسكة، لكنها كانت تحتاج إلى نص أكثر صرامة في بنائه، وإلى جرأة أكبر في حذف الزائد، لأن التكثيف ليس خسارة للنص، بل إنقاذ له. فالتراجيديا لا تخلد بما تقوله من كلمات، بل بما تتركه من أثر. وعندما يتقدم الحشو على الإيقاع، يصبح النص نفسه أول من يخنق نبض المأساة.

شربل الغاوي

مخرج وصحافي وناقد سينمائي

  • Share