أليسار كوسا … ممثلةٌ وجدت في وجهها خشبةً أخرى - شربل الغاوي
ليس كل من يغيّر ملامحه فناناً، وليس كل من يشبه الآخرين استطاع أن يصل إليهم. فبين التشابه والتجسيد مسافة لا يقطعها إلا الموهوبون. هناك، تماماً، تقف أليسار كوسا؛ ممثلةٌ خرجت من خشبة المسرح، لكنها لم تغادر التمثيل يوماً، بل حملته معها إلى مرآتها، وجعلت من وجهها مسرحاً يتبدل فيه الأبطال، فيما يبقى المخرج واحداً… موهبتها.
هي لا تضع المكياج، بل تكتب به. ولا ترسم وجهاً، بل تعيد صياغة ذاكرة كاملة. كل ضربة فرشاة عندها تشبه جملة في نص مسرحي، وكل لون يؤدي وظيفة، وكل ظل يحمل معنى، حتى يصبح الوجه صفحةً تُقرأ قبل أن تُرى.
ولأنها تعرف أسرار الوقوف أمام الجمهور، أدركت أن الملامح وحدها لا تكفي. فالصورة قد تخدع العين، لكنها لا تستطيع خداع الذاكرة. لذلك لا تبدأ أليسار من الوجه، بل من الروح؛ من النظرة التي لا تُشترى، ومن الإيماءة التي لا تُقلَّد، ومن ذلك الحضور الذي لا تمنحه أدوات التجميل مهما بلغت من الاحتراف.
حين استعادت ملامح الفنان الكبير ياسر العظمة، لم تكن تستنسخ صورة، بل كانت تستحضر مدرسة كاملة في الكوميديا الراقية. وحين أعادت إلى الواجهة وجه الفنان الراحل نضال سيجري، بدا الأمر كأنه رسالة وفاء لفنانٍ لم يكن يمثل الشخصيات، بل كان يمنحها نبضاً لا يشيخ. أما في تقمصها للفنان ناصيف زيتون، فقد تجاوزت حدود الشبه، لتلامس حضوره، وكاريزمته، والطاقة التي جعلته واحداً من أبرز نجوم الغناء في جيله.
ولم تكتفِ بالنجوم، بل ذهبت إلى الشخصيات التي سكنت وجدان الناس. عادت إلى ضيعة ضايعة، لا لتستحضر شخصياته فحسب، بل لتوقظ الحنين إلى زمنٍ أصبحت فيه الدراما جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. ثم فتحت باب جميل وهناء، فعادت الشخصيات إلى المشهد وكأن السنوات لم تمر، وكأن الشاشة احتفظت بأبطالها في مكانٍ لا يصل إليه الغياب.
ما تفعله أليسار كوسا ليس تقليداً بالمعنى المتعارف عليه، لأن التقليد يقف عند حدود الشبه، أما هي فتذهب إلى ما هو أبعد؛ إلى المنطقة التي يلتقي فيها التمثيل بالنحت، والمكياج بالرسم، والذاكرة بالإحساس. إنها لا تسرق وجوه الآخرين، بل تستعير أرواحهم للحظات، ثم تعيدها إلى أصحابها وقد ازدادت حضوراً في ذاكرة المشاهد.
في زمنٍ صار فيه المحتوى يُستهلك بسرعة، اختارت أن تصنع أعمالاً تُشاهد ببطء. وفي عصرٍ أصبح فيه الذكاء الاصطناعي قادراً على تبديل الملامح بضغطة زر، أثبتت أن الموهبة البشرية ما زالت أصدق من أي خوارزمية، وأن اليد التي يقودها الحس الفني لا يمكن أن تستبدلها آلة.
أليسار كوسا لا تغيّر وجهها في كل عمل، بل تغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى الوجه نفسه. وحين تنتهي من أداء شخصية، لا يبقى السؤال: كيف استطاعت أن تشبهها؟ بل يصبح السؤال الأهم: كيف استطاعت أن تعيد إلينا إحساسنا بها؟… وهنا تحديداً، يبدأ الفن الحقيقي.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي
