صبحي توفيق … حين يستعيد الطرب صوته الحقيقي - شربل الغاوي
ليست كل الأصوات التي تبلغ الأذن تبلغ الروح. فبين صوتٍ يُسمَع ثم يمضي، وصوتٍ يقيم في الذاكرة، مسافة لا تُقاس بمساحة الحنجرة ولا بعدد الطبقات، بل بقدر ما يحمل صاحبه من صدقٍ ومعرفةٍ وذاكرة. وصوت صبحي توفيق ينتمي إلى تلك الأصوات النادرة التي لا تبدو وكأنها تعلّمت الغناء بقدر ما تبدو وكأنها جاءت إلى الحياة وهي تحمل سرّه.
في حنجرته شيءٌ من المدن القديمة، من حلب حين كانت النغمة لغةً يومية، ومن البيوت العربية التي كانت تفتح نوافذها للموشحات والقدود، ومن المقامات التي لم تكن يومًا مجرد قواعد موسيقية، بل تاريخًا عاطفيًا كاملًا للعرب. لذلك، حين يغنّي صبحي توفيق، لا تشعر أنك أمام مطرب يؤدي عملًا فنيًا، بل أمام ذاكرة حيّة تستعيد صوتها.
إنه من ذلك الطراز الغنائي الذي يفهم أن المقام ليس سلّمًا يصعده الصوت ليُظهر قدرته، بل حالة نفسية وفكرية وروحية. يعرف أين تبدأ الجملة، وأين ينبغي أن تتنفس، وأين يجب أن ينكسر الصوت قليلًا كي يولد الشجن، ومتى يترك للنغمة امتدادها حتى لا يقطع عليها طريقها إلى القلب. وهذه المعرفة تحديدًا هي الفارق بين مطربٍ يمتلك صوتًا جميلًا، وفنانٍ يعرف ماذا يفعل بهذا الصوت.
في أدائه للقدود الحلبية، تتجلى واحدة من أهم خصوصياته الفنية: قدرته على تحويل التراث من مادة محفوظة إلى كائن حي.
لا يتعامل مع القدّ بوصفه نصًا قديمًا يجب احترامه بالخوف، ولا بوصفه مناسبة لاستعراض المهارات الصوتية. يدخل إليه من بابه الأعمق، من روحه. يترك للمقام هيبته، وللكلمة وزنها، وللنغمة حقها في الامتداد. ولهذا يبدو صوته في هذا اللون وكأنه لا يغنّي فوق اللحن، بل يخرج من داخله.
هنا تحديدًا تكمن قوته.
فصبحي توفيق لا يهاجم الجملة اللحنية، ولا يضغط عليها ليُثبت حضوره. إنه يعرف فن السيطرة من دون عنف. يمتلك النفس الطويل، لكنه لا يستعمله كاستعراض جسدي؛ يمدّ العبارة لأن الموسيقى تحتاج إلى هذا الامتداد. ينتقل بين الطبقات بسلاسة، ويعرف كيف يحافظ على توازن الصوت في لحظات الصعود، فلا يتحول العلو إلى صراخ، ولا تتحول القوة إلى قسوة.
إنها حنجرة تعرف قيمة الاقتصاد الفني؛ تعرف أن القوة ليست في أن تقول كل ما تستطيع قوله، بل في أن تقول بالضبط ما تحتاج إليه اللحظة.
والأجمل في صوته أنه لا ينفصل عن الكلمة. فهناك مطربون يجعلوننا نُعجب بالصوت وننسى النص، أما صبحي توفيق فيمنح الكلمة فرصة أن تُرى من خلال الصوت. الحرف عنده ليس تفصيلًا تابعًا للحن، بل شريكًا فيه. تسمع الشجن في طريقة نطقه، وتلمس المعنى في مدّه للحروف، وتشعر أحيانًا أن الصمت القصير بين كلمتين يحمل من التعبير ما لا تحمله جملة كاملة.
أما حين ينتقل إلى الأغنية الرومانسية، فيكشف عن وجه آخر من صوته، أكثر حميمية وأشد رهافة. هنا لا يحتاج إلى فخامة القدود ولا إلى اتساع المقام. يكفيه أن يقترب من الجملة حتى تصبح النبرة نفسها لغةً للحب.
تتبدل علاقته بالصوت؛ تخفّ القبضة، وتتقدم الحساسية. يصبح الأداء أكثر قربًا من الاعتراف، وكأن المطرب لا يخاطب جمهورًا، بل شخصًا واحدًا يعرفه جيدًا. وفي هذه المساحة تظهر قيمة صبحي توفيق الحقيقية: قدرته على الجمع بين الطرب الكبير والهمس الإنساني.
فهو يستطيع أن يملأ المكان بقوة صوته، ثم يعود في لحظة إلى نبرة صغيرة، دافئة، تكاد تُقال ولا تُغنّى.
وهذه الثنائية ليست سهلة. لأن المطرب الذي يملك القوة قد يقع أسيرها، والذي يجيد الرقة قد يفقد هيبته. أما صبحي توفيق، فيقف بين الطرفين في منطقة صعبة: قوة لا تستعرض نفسها، ورقة لا تستجدي العاطفة.
إنه يعرف أن الحزن في الغناء ليس بكثرة الانكسار، وأن الحب لا يحتاج دائمًا إلى ارتفاع الصوت. لذلك يأتي شجنه نظيفًا، لا يبالغ في البكاء، ولا يفرض على المستمع أن يتأثر. يترك الباب مفتوحًا، ويدعو السامع إلى الدخول وحده.
ولعل أهم ما يميز صوته هو تلك الهوية التي أصبحت نادرة في زمن تتشابه فيه الأصوات وتُصنع الشخصيات الغنائية على مقاس السوق. فبمجرد أن يبدأ الغناء، ثمة بصمة واضحة، شخصية صوتية لا تحتاج إلى إعلان عن نفسها. لا يبدو وكأنه يحاول أن يكون امتدادًا لأحد، رغم أنه يحمل في تكوينه احترامًا عميقًا لمدرسة الطرب العربي.
إنه لا يقلّد التراث، بل يفهمه.
وهناك فرق هائل بين من يكرر ما فعله الكبار، ومن يعرف لماذا فعلوه. صبحي توفيق ينتمي إلى الفئة الثانية. يقرأ المقام، يسمع ما وراء اللحن، ويدرك أن التراث لا يعيش بالتقديس وحده، بل بالقدرة على إعادة اكتشافه في كل أداء.
ولهذا، فإن صوته لا يروي الماضي باعتباره زمنًا منتهيًا، بل يجعله حاضرًا. حين يغني القدود، لا نشعر أننا نعود إلى الوراء، بل نشعر أن الماضي نفسه يعود إلينا، يجلس بيننا، ويتنفس من جديد.
صبحي توفيق ليس مجرد مطربٍ يملك مساحة صوتية وقدرة على الأداء، بل فنان يملك وعيًا بصوته. وهذه ربما أعلى مراحل الغناء؛ أن يعرف الفنان حدود آلته، وأن يعرف متى يطلقها، ومتى يكبحها، متى يجعلها نارًا، ومتى يجعلها ظلًا.
في زمن السرعة، يأتي صوته كفعل مقاومة ضد الاستسهال.
وفي زمن الأغنية العابرة، يحمل في حنجرته صبر الأزمنة الطويلة.
وفي زمن تُستهلك فيه الأصوات سريعًا، يذكّرنا بأن الصوت الحقيقي لا يُستهلك، لأنه لا يقوم على المفاجأة، بل على الاكتشاف المتجدد.
إن صبحي توفيق، في نهاية الأمر، لا يغني ليُثبت أن لديه صوتًا. هو يغني لأن صوته يملك شيئًا يريد أن يقوله.
ولهذا تبقى نغمته محتفظة بأسرار الأمس، من دون أن تعيش أسيرته، وتروي حكايات اليوم، من دون أن تفقد وقارها. وبين ذاكرة القدود ودفء الأغنية الرومانسية، بين النفس الطويل والهمسة العابرة، يقف صوت صبحي توفيق كجسرٍ بين زمنين، لا يعبر فوقهما فقط، بل يحمل من كل واحد منهما أجمل ما فيه.
صوتٌ لا يمرّ من الأذن إلى النسيان.
صوتٌ يعرف أن النغمة ليست زينةً للكلمات، بل روحها.
وصوتٌ حين يغني، تشعر أن الموسيقى نفسها تفتح دفاترها القديمة، وتقول لنا: ما زال هنا من يعرف كيف يحفظ السرّ، وكيف يرويه.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي
