جوزيف نمنم : الفنان الذي أبقى الحب حيًا في ذاكرة الأغنية - شربل الغاوي
في زمنٍ تبدّلت فيه ملامح الأغنية العربية، وباتت السرعة تطغى على العمق، بقي جوزيف نمنم واحدًا من الأصوات التي قاومت النسيان، وحافظت على جوهر الأغنية التي تنبع من القلب لتستقر في الوجدان. لم يكن مجرد مطرب يؤدي كلمات وألحانًا، بل كان حاملًا لرسالة عاطفية وإنسانية، جعلت من الحب عنوانًا لمسيرته، ومن الصدق هويته الفنية.
دخل جوزيف نمنم الساحة الفنية في مرحلة لم تكن سهلة، وسط منافسة شرسة وتغيرات متلاحقة فرضت على الفنان أن يختار بين البقاء وفيًا لفنه أو الانجراف خلف موجات عابرة. اختار الطريق الأصعب، فتمسك بقناعته، وآمن بأن الأغنية التي تُبنى على الإحساس الصادق لا يبتلعها الزمن. وهكذا، راكم أعمالًا بقيت حاضرة في ذاكرة المستمع، لأن ما خرج من القلب وجد طريقه إلى القلوب.
لم يكن نجاحه وليد الصدفة، بل ثمرة مسيرة صاغها بالصبر والإيمان بموهبته. فكل أغنية قدمها حملت جزءًا من روحه، وكل لحن كان امتدادًا لشخصيته الهادئة، وصوته المخملي الذي امتلك قدرة نادرة على ملامسة المشاعر دون افتعال أو مبالغة. لذلك، لم تكن أعماله مجرد أغانٍ، بل محطات وجدانية رافقت الناس في أفراحهم، وفي لحظات الحنين، وفي قصص الحب التي تشبههم.
ومن بين الأعمال التي رسخت اسمه في الذاكرة الفنية تبرز لن أحب سواكي، وعطرك سيدتي، ويا هلا بزوارنا، وقوموا نفرح معنا الدار، وما بدي تسافر لا لا، ودرب السفر، وأهلك ما بدن ياني، ولو حلفوني، وقلبي دق. لكل واحدة من هذه الأغنيات شخصيتها الخاصة، لكن ما يجمعها هو ذلك الإحساس الصادق الذي ميّز تجربة جوزيف نمنم، وجعلها تتجاوز حدود الزمن لتبقى حاضرة في وجدان المستمع العربي.
وتبقى لن أحب سواكي من أكثر أعماله اكتمالًا على مستوى الفكرة والإحساس. فهي ليست أغنية حب عابرة، بل إعلان واضح عن الوفاء في زمن أصبحت فيه العلاقات أكثر هشاشة. منذ كلماتها الأولى، يرسم جوزيف صورة العاشق الذي لا يرى في الدنيا سوى امرأة واحدة، فيقول: لا أطلب غير هواكِ، ولن أحب سواكِ. كلمات قليلة، لكنها تختصر معنى الالتزام العاطفي، وتمنح الأغنية صدقها وقوتها.
ويتعزز هذا المعنى عندما ينتقل إلى الاعتراف بأن العالم مليء بالإغراءات، لكنه يرفض أن يبدل مشاعره أو يساوم عليها، قائلًا: حولي نساء كثيرات وفتيات جميلات، لكن حبكِ شاغلي، ولن أختار ما ليس لي. هنا لا يتغنى بالجمال، بل ينتصر للوفاء، ويجعل من الحب موقفًا أخلاقيًا قبل أن يكون شعورًا عابرًا.
ولا يغفل النص عن الوجه الآخر للعلاقة، حيث الغيرة والشك، فيرسمها بواقعية بعيدة عن التصنع، قبل أن يبددها برسالة طمأنينة صادقة يقول فيها: فاستريحي يا امرأة أحببتها، ومن بين كل الناس اخترتها. تلك الجملة وحدها كفيلة بأن تختصر فلسفة الأغنية بأكملها، إذ تجعل الحب قائمًا على الاختيار الحر، لا على الظروف أو المصادفات.
أما اللحن، فجاء امتدادًا طبيعيًا للنص، هادئًا في بنائه، عميقًا في تأثيره، يمنح الكلمات مساحة لتتنفس، ويترك للصوت فرصة ليقول ما تعجز عنه العبارات. وهنا تتجلى إحدى أهم ميزات جوزيف نمنم؛ فهو لا يغني ليستعرض قدراته الصوتية، بل يغني ليمنح الكلمة روحًا جديدة، وليجعل المستمع يشعر بأنه يعيش الأغنية، لا يكتفي بسماعها.
ورغم ما حققه من نجاح، لم يكن جوزيف نمنم من الفنانين الذين صنعوا حضورهم عبر الضجيج الإعلامي أو الحملات الدعائية. آمن بأن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى صخب كي يبقى، وأن الأغنية الصادقة قادرة على الدفاع عن نفسها مهما تغيرت الأزمنة. وربما لهذا السبب يرى كثيرون أنه لم ينل ما يستحقه من تقدير، لأن القيمة الفنية لا تقاس دائمًا بحجم الانتشار، بل بقدرة العمل على الصمود أمام الزمن.
واليوم، وبعد سنوات طويلة من العطاء، لا يزال اسم جوزيف نمنم حاضرًا كلما ذُكرت الأغنية اللبنانية التي راهنت على الكلمة الجميلة واللحن الأصيل والإحساس النقي. إنه من أولئك الفنانين الذين لم يطاردوا الشهرة، لكنها لاحقتهم في ذاكرة الناس. وسيبقى صوته شاهدًا على مرحلة آمنت بأن الأغنية يمكن أن تكون رسالة، وأن الحب عندما يُغنّى بصدق، لا يشيخ ولا يغيب.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي
