البودكاست لم يعد يغري الجمهور… والمقابلات فقدت بريقها - شربل الغاوي
نفس الضيوف… نفس الكلام… والجمهور رحل
لم تعد المقابلة الفنية اليوم ذلك الحدث الذي ينتظره الجمهور كما كانت في السابق. في زمنٍ مضى، كانت الشاشة نافذة الفنان الوحيدة، ومنها يعلن موقفه، ويشرح أعماله، ويكشف ما يريد قوله. أما اليوم، فقد أصبح لكل فنان منصته الخاصة، يكتب، ويتحدث، ويبثّ مباشرة متى شاء، فلم يعد بحاجة إلى وسيط يمنحه الصوت.
يكفي أن ننظر إلى الأرقام. مطربون من الصف الأول لا تتجاوز مقابلاتهم عشرة آلاف مشاهدة بعد أسبوع كامل، وأحيانًا على قنوات عالمية. ليست المشكلة في أسماء الضيوف، بل في تضخّم سوق البودكاست حتى أصيب بالتخمة. عشرات البرامج، والمئات من الحلقات، والوجوه نفسها تدور في الحلقة ذاتها، تنتقل من منصة إلى أخرى، بالكلام نفسه، والقصص نفسها، والأسئلة نفسها، حتى أصبح المشاهد يحفظ الإجابات قبل أن تُطرح الأسئلة.
المفارقة أن كثيرًا من المُعدين والإعلاميين يشتكون من أن الضيوف الجدد لا يردون عليهم، بينما الحقيقة أنهم هم من أغلقوا الباب بأيديهم. لا يغامرون باستضافة أسماء جديدة، ولا يبحثون عن أصوات مختلفة، بل يكررون الدائرة نفسها حتى تحولت البرامج إلى “سوبر ماركت” يخلط كل الفئات بلا هوية ولا رؤية. وإذا لم يجدوا فنانًا، استضافوا إعلاميًا، وإذا غاب الإعلامي، استضاف إعلاميًا آخر، ثم جلسوا يتبادلون الأسئلة ذاتها التي سمعها الجمهور عشرات المرات.
لقد انتهى عصر البودكاست الذي يقوم على الحشو، وانتهى زمن المقابلات التي تعيش على الفضائح واستفزاز العناوين. المشاهد لم يعد يملك رفاهية الجلوس نصف ساعة أو ساعة ليستمع إلى كلام يعرفه مسبقًا. ما يريده اليوم فكرة جديدة، معلومة حقيقية، أو تجربة تستحق وقته. أما إعادة تدوير الوجوه والأسئلة، فلم تعد تصنع مشاهدة، بل تصنع مللًا.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي
