من التمثيل… إلى الغناء: الميكروفون لا يمنح الموهبة - شربل الغاوي
ليس كل من ضاقت به أبواب التمثيل يحق له أن يقتحم باب الغناء. فالانتقال من خشبة المسرح إلى الميكروفون لا يصنع موهبة، ولا يمنح صاحبه شرعية الوقوف في مكانٍ لم يُخلق إلا لأصحاب الأصوات الاستثنائية.
الغناء ليس مهنة من لا مهنة له، ولا الملاذ الأخير لمن لم يجد لنفسه مكانًا في أي مجال آخر. إنه فنّ حمله عمالقة على أكتافهم، ودفعوا ثمنه أعمارًا من التعب والدراسة والتجربة، لا ترندًا عابرًا، ولا ضجيجًا إعلاميًا، ولا آلاف الإعجابات. وما يؤلم أكثر أن هناك من يموّل الوهم، ويصفّق للرداءة، ويمنح الأضواء لمن لم يمنحه الفن حق الوقوف عليها، حتى بات البعض يخلط بين الدعم والموهبة، وبين الشهرة والقيمة.
ومن يظن أن هذه الظاهرة وليدة اليوم، فهو لا يعرف التاريخ. ففي كل زمن ظهر من اعتقد أن الميكروفون يكفي ليصبح مطربًا، وأن الكاميرا تصنع فنانًا، وأن الدعاية تكتب المجد. لكن الزمن كان دائمًا أكثر عدلًا من الجميع؛ ابتلع الأسماء الطارئة، وأبقى فقط من امتلك الموهبة الحقيقية.
الغناء ليس بابًا مشرّعًا لكل من أراد أن يجرّب حظه، ولا لقبًا يُمنح بالتصفيق، ولا تاريخًا يُكتب بالترند. إنه مقام لا يثبت فيه إلا من يستحق.
وفي النهاية، ليس الجمهور هو الحكم الأخير، ولا المنصات الرقمية، بل الزمن. والزمن لا يجامل أحدًا؛ يجرّد الضجيج من بريقه، ويكشف القيمة الحقيقية، ثم يترك اسمًا واحدًا يعيش في الذاكرة، بينما تتحول بقية الأسماء إلى أثرٍ باهت لا يكاد يُذكر.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي
