آخر حفلات التوقيع… وآخر زمن للألبومات - شربل الغاوي
٢٠١٦… ربما كانت هذه من آخر حفلات توقيع ألبوم CD في متجر فيرجن ميغاستور قبل إقفاله في وسط بيروت. يومها كان الفنان سليم عساف يوقّع ألبومه، ولم يكن أحد يدرك أننا نودّع حقبة كاملة، لا مجرد أسطوانة.
كنا نشتري الألبوم بشغف لا يُشبه أي شعور آخر. ننتظر يوم صدوره، نفتح الغلاف ببطء، نتأمل الصور والكلمات، ثم نضع القرص في المشغّل لنعيش رحلة موسيقية كاملة، أغنية بعد أخرى، كما أرادها الفنان. لم تكن الموسيقى متاحة في كل مكان، ولم تكن الأغنية تصل إلينا بضغطة زر. كنا ننتظرها على الراديو، أو نترقب عرض الفيديو كليب على شاشة التلفزيون، ولذلك كانت لحظة سماعها تحمل قيمة مختلفة.
كان للألبوم هيبته، وللتوقيع معناه، ولزيارة متجر الموسيقى طقوسها الخاصة. هناك، بين الرفوف، كانت تُصنع الذكريات، ويصبح امتلاك الأسطوانة جزءًا من علاقة المستمع بالفنان، لا مجرد وسيلة للاستماع.
اليوم تغيّر كل شيء. أصبحت ملايين الأغاني في جيب كل شخص، متاحة في أي وقت ومن أي مكان. قد يكون ذلك إنجازًا تقنيًا، لكنه سلب الموسيقى شيئًا من سحرها. لم يعد هناك انتظار، ولم تعد هناك لحظة ترقب، بل أصبح الانتقال من أغنية إلى أخرى يتم في ثوانٍ، حتى فقد الألبوم مكانته كعمل فني متكامل.
وربما هنا يكمن السؤال الذي يطرحه كثيرون: هل هذا أحد أسباب شعورنا بأن الأغاني لم تعد تعيش كما كانت؟ ليس لأن المواهب اختفت، بل لأن وفرة المحتوى غيّرت طريقة استماعنا. عندما يصبح كل شيء متاحًا دائمًا، نفقد لذة الانتظار، وعندما تختفي طقوس اقتناء الألبوم وسماعه من البداية إلى النهاية، يتغيّر ارتباطنا بالأغنية نفسها.
قد يكون التطور حتميًا، لكن الحنين لا يعترف بالتكنولوجيا. فالـCD والكاسيت لم يكونا مجرد وسيلتين لحفظ الموسيقى، بل كانا جزءًا من تجربة كاملة، ومن زمنٍ كانت فيه الأغنية حدثًا ننتظره، لا ملفًا نعبره بسرعة. وربما لهذا السبب ما زالت أغاني تلك المرحلة تعيش في ذاكرتنا… لأنها لم تصل إلينا بسهولة، بل جاءت بعد انتظار، فبقيت معنا طويلًا.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي
