ياسر العظمة ومرايا… الرجل الذي سبق الواقع إلى كشفه - شربل الغاوي
في كل مرة كانت تُفتح فيها نافذة مرايا، لم يكن يدخل مسلسل إلى البيوت، بل كان يدخل المجتمع بكل ضجيجه وصمته، بأحلامه وانكساراته، بوجوهه التي تخفي أكثر مما تُظهر. كان المشاهد يظن أنه يجلس أمام شاشة، قبل أن يكتشف أنه يقف أمام نفسه. هناك، لم تكن الشخصيات غريبة، بل مألوفة إلى حدٍّ مؤلم؛ مسؤول يختبئ خلف الكلمات، موظف يذبل تحت ثقل الروتين، مواطن يركض خلف حقٍ يتبخر، انتهازي يتقن ارتداء الأقنعة، ومتسوّل تختلط في عينيه الحاجة بالخداع. كانت الحياة نفسها تدخل الكادر، لا لتُمثَّل، بل لتُفضَح.
امتلك ياسر العظمة تلك الموهبة النادرة التي لا تُمنح إلا للقليل؛ أن يسمع نبض الشارع قبل أن يكتبه، وأن يرى الإنسان قبل أن يرى الشخصية. لم يقدّم أبطالًا خارقين، بل قدّم بشرًا من لحم الواقع، يحملون تناقضاتهم كما نحملها جميعًا. كانت السخرية في يده مشرطًا لا يجرح، لكنه يكشف كل ما حاول المجتمع إخفاءه؛ فسادًا يتزيّن بالشعارات، ونفاقًا يتحدث بلسان الفضيلة، وبيروقراطية تستهلك الأعمار، وعلاقات إنسانية تتأرجح بين الوفاء والمصلحة. لم يكن يطلق الأحكام، بل يترك الحقيقة تتكلم بصوتها، فيغادر المشاهد الحلقة وهو يبتسم، لكنه يحمل سؤالًا أثقل من الضحكة.
ولهذا لم يكن مرايا ابن زمنه، بل ابن الإنسان. فكلما تغيّرت الوجوه، بقيت الحكايات هي نفسها، وكأن الواقع ما زال يعيد تمثيل النص ذاته، بينما يكتفي ياسر العظمة بالجلوس في مقعد الكاتب، يراقب الحياة وهي تؤكد أن الفن الصادق لا يشيخ.
لم يترك ياسر العظمة مسلسلًا يُحفظ في أرشيف الدراما، بل ترك مرآةً معلّقة في ذاكرة العرب. وكلما ظنّ الناس أنهم ابتعدوا عنها، وجدوا انعكاسهم ينتظرهم في أول مشهد. وتلك هي عظمة مرايا… أنه لم يروِ حكاية المجتمع، بل جعل المجتمع، حتى اليوم، يروي حكايته من خلاله.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي
